ابن عطاء الله السكندري

القسم الأول 33

الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )

تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ( 7 ) [ البينة : 7 ] فمن أشرف المخلوقات ، وأفضل الموجودات وأكرم المحدثات فمن تشريفه وإكرامه . وتفضيله وإعظامه أن جعل اللّه تعالى مجمع البحرين بحرا سفليا ظلمة الشهوات الحيوانية ، وبحرا علويا نور العقل النوراني وركبه في عالمين ، عالم الأمر الروحاني ، وعالم الخلق الجثماني . وجمع له في الركعة الواحدة من عمل جميع عبادة الملأ الأعلى من الملائكة أهل السبع سماوات ، سبع أنواع من العبادات ، وجعل ثوابهم عليها عائدة إلى الآدمي بتضعيف الزيادة . فمنهم قائمون أبدا ، ومنهم راكعون أبدا ، ومنهم ساجدون أبدا ، ومنهم جلوس أبدا ، ومنهم مهلّلون أبدا ، ومنهم مسبّحون أبدا ، ومنهم حامدون أبدا ، فهم للّه عابدون دائما أبدا لا يفترون ، قد خلقوا مطهرين ، منزهين ، علويين ، روحانيين ، نور بلا ظلمة ، وعقل بلا شهوة ، ولطف بلا كثافة ، ودوام بلا فترة ، ونشاط بلا سآمة ، وطاعة بلا مخالفة ، وعبادة بلا حظّ ، وإخلاص بلا عوض ، وخدمة بلا علاقة ، وجمع بلا تفرقة . وجعل هذا البشر برزخا قائما مستوي الخليقة بين عالمي النور والظلمة ، فأيهما كان الغالب عليه نسب في الحقيقة إليه ، فسبحان من ألّف بين الضدين ، وجمع إليه صفات العالمين في هذا الآدميّ الكريم ، وجعل محل عقله ومعارفه وتوحيده ومحبته وأسراره قلبه السليم . فهو الصراط المستقيم ، والبرزخ المعتدل القويم . بالألف ألفه ووصله وجمعه وفرّقه وفصله وقطعه ، ألّف كتابه بنقطة ، وخلق خلقه من نقطة ، ويميتهم بقبضة ، ويحييهم بنفخة . قال الشاعر : [ البسيط ] : إنّ الأليف له فضل وتقدمة * على الحروف فلا تبغي به بدلا فيه العلوم خفت من كلّ معرفة * قد جلّ منفردا بالحقّ واعتدلا هو قائم أبدا هو واحد عددا * شكل الأليف حوى التّفصيل والجملا حرف ومعنى هما بالسّرّ قد جمعا * أصلا وفرعا بما بالوصل قد وصلا فاعرف سرائره إن كنت ذا أرب * واحفظ دقائقه تعلو به نزلا ومثله من حوى طبعا ومعرفة * روحا وجسما له وصف سما فعلا كالعقل من ملك والطّبع من نعم * يا حسن من علما يا بئس من جهلا